
شبكةُ شموخِ الإسلامِ
منتدى المجَاهِدَاتِ الشَّامِخَاتِ يُقَدِّم:
تفريغ الافتتاحية
مَنۡ أَسَّسَ بُنۡیَانَهُ عَلَىٰ تَقۡوَى خَير

الصادرة عن صحيفة النبأ العدد 233
الخميس 14 رمضان 1441 هـ
_____________________
بسم الله الرحمن الرحيم

إن العقيدة هي الأصل الذي يُبنى عليه كل صراع بشري، فعلى أساسها يقوم الصراع ويتخذ وجهته، وبها تُضبط حدوده وتُحدّد غايته ونهايته، وتُنتقى أدواته ووسائله، ولا نقصد بالعقيدة هنا ما ينحصر باعتقاد الإنسان في معبوده ومآله بعد موته فحسب، وإنما مُطلق ما يعتقده في شأن دنياه وأخراه.
ولذلك فإن كل جيوش الأرض تتخذ لنفسها ما تسميه "عقيدة عسكرية" تحرص على ترسيخها في نفوس الجنود والقادة، وتقوم بتحديثها كل فترة بما يتوافق مع تغيّر اتجاهات الصراع مع القوى المعادية والمنافسة، وتغيّر أشكاله ووسائله، وبما يتلاءم مع خطط الدولة في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والعقائدية، ونظرتها لنفسها وللعالم من حولها.
وعدم امتلاك من يصُارع غيرَہ مثل هذه العقيدة التي تقُدم تصورا واضحا وصحيحاً عن سبب الصراع، وطبيعته، وحدوده، وغاياته، وحقيقة من يُتصارع معهم لأجل تحقيقها، سينتج عنه ممارسة للصراع بتخبط وعشوائية، فلا يعُرف لماذا دخل في هذا الصراع، ولا متى يبدأ الصراع ومتى ينهيه، ولا يمُيزّ من يواليه ومن يعاديه، ولا يدري إلى أي مدى يمضي في صراعه وعند أي الحدود يقف، والنتيجة من ذلك كله فشل وهزيمة وتضييع للوقت والجهود والإمكانات.
وأي خلل في الأصل الاعتقادي للصراع سينجم عنه حتماً اختلال فيما بُني عليه من اتجاه للصراعات وحدودها ووسائلها، ويؤدي في النهاية إلى منع تحقيق غاية الصراع، بل إلى الهزيمة والفشل فيه، وتحويله من أداة لتحقيق الأهداف الموضوعة إلى أداة لهدم البنيان كاملا في بعض الأحيان.
وكذلك فإن ممارسة الصراع بشكل مخالف للأصل العقدي ستُدخل من يقوم به في تيه لا يكاد أن يدخله حتى يشعر بالضياع فيه، ويعرف أنه يهدر وقته وجهده وإمكاناته المختلفة، حتى يصيبه اليأس من تحقيق أي غاية منه، ويصبح أقصى أمانيه إيقافه بأقلّ الخسائر من أجل العودة إلى الأصل الذي يرى نفسه قد انحرف عنه، إن لم يودي به الصراع ونتائجه إلى نقض ذلك الأصل وتدميره.
ولو نظرنا إلى حال أكثر الأحزاب والتنظيمات التي تزعم السعي لإقامة الدين والتمكين له في الأرض، واسترجعنا حجم الهزائم والخسائر الجسيمة التي منيت بها أمام الطواغيت والمرتدين، لوجدنا أن أحد أهم أسباب ذلك هو خلل أساسي في تأصيل عقيدة الصراع لديها، إما بفقدان هذه العقيدة، أو لخلل فيها، أو للفشل في إقامة بنيان الصراع على أساسها، بالإضافة إلى أسباب أخرى مادية وبشرية ولا شك.
إذْ لا زالت هذه الجماعات منذ قرن من الزمان أو أكثر تتخبط في هذا المجال، وخاصة في باب تعريف من يتصارعون معهم، والحكم عليهم بناء على الأصل الإسلامي للصراع، وتعريف الحدود الشرعية للصراع معهم، بحيث لا يكون ناقضاً لأصله ولا مخالفاً له، ولا مانعاً من الوصول إلى غاياته.
وقد مرت عقود من السنين على أتباع هذه الحركات وهم يتجادلون في حقيقة من يصارعون، هل هم الطواغيت الحاكمون بغير ما أنزل الله؟ أم هم الصليبيون الذين يواليهم هؤلاء الطواغيت؟ ولا زالوا حائرين في أولوية القتال بين ما يسمونه "العدو القريب" و"العدو البعيد".
كما لا زالوا في تيه يتخبطون في الحكم على أولئك الحاكمين بغير ما أنزل الله، أهم حكام (مسلمون) رغم حكمهم بالقوانين الكفرية، فيُصبر على جورهم، ويُقاتل من ورائهم؟ أم هم طواغيت مرتدون يجب قتالهم لخلعهم وإزالة شركهم؟!
وبعض من حكم بتكفير أولئك الطواغيت ضلّ في مسألة الحكم على جنودهم الذين بهم دوام ونفاذ أحكامهم الكفرية، فمنهم من يحكم بإسلام تلك الطوائف المرتدة، كالجيوش وأجهزة الأمن المختلفة، بل ويراها جنوداً للإسلام ينبغي الاستفادة منها لإقامة الدين!، ومنهم من يراها طوائف كفر وردة، إلا أنه يحكم بإسلام المنتسبين إليها والمقاتلين في صفوفها، ويراهم إخوانا له في الدين!، يكتفي بدفع بغيهم عن نفسه لا أكثر.
وقليل هم من هُدوا إلى الحق بتكفيرهم والبراءة منهم واستباحة دمائهم جزاءً لانتمائهم إلى تلك الطوائف الممتنعة عن إقامة الدين، المانعة له، المحاربة لمن يسعى في ذلك، وأقلّ منهم من أعينوا على القيام بما أوجبه الله تعالى من قتالهم، والحرص على قتلهم، كما هو حال جنود الدولة الإسلامية، ولله الحمد والمنةّ.
وبالنظر إلى ما سبق كله، يمكننا معرفة أحد أهم أسباب هزائم الإخوان المرتدين في مصر أمام الحكام المرتدين الذين توالوا على حكم البلاد على مدى قرن من الزمان تقريباً، هم ومن والاهم أو شابههم من الجماعات التي تدعي الجهاد في سبيل الله، إذ أن صراعهم معهم بُني على أصول عقدية فاسدة واهنة، كلما بنوا عليها بنياناً انهدم فوق رؤوسهم! وخرجوا بعد كل صراع لهم مع الطواغيت خائبين خاسرين، يلوكون التبريرات، ويكرّرون التراجعات.
ولذلك لم نستغرب ما رأيناه من بعض المرتدين في الأيام الماضية وهم يستنكرون قتل جنود الدولة الإسلامية في ولاية سيناء جنودَ جيش الطاغوت المرتدين، ويسُبغون على الهلكى أوصاف الشهداء، رغم علمهم اليقيني بأنهم أصل حكم الطاغوت وقواعد نظامه الكفري، وأنهم يده الباطشة التي ما نال الناس منها إلا المطاردة والسجون والتعذيب والقتل، نسأل الله تعالى أن يسلّطهم عليهم أجمعين، وينجّي المسلمين، قال تعالى: {أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡیَانَهُ عَلَىٰ تَقۡوَى مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَانٍ خَیۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡیَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارࣲ فَٱنۡهَارَ بِهِ فِی نَارِ جَهَنَّمَ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّالِمِینَ} [التوبة: 109 ].
_____________________

رمضان 1441هـ